ثمانية مسلسلات خارج الموسم، الدراما السورية تتلاشى

لعلّه الاختبار الأكثر قسوة في أرشيف الدراما السورية. ثمانية أعمالٍ لم تجد طريقها إلى السّوق فجرى حفظها في الأرشيف طمعاً بفرص بيعٍ أفضل بعد شهر الصّوم.

“وردة وشامية” (نصّ مروان قاووق/ إخراج تامر إسحق) أثبت أنّ “مسلسلات البيئة” ليست “بيّاعة” بالضرورة، حيث أخفقت شركة “غولدين لاين” في تصريف العمل وفق هوامش ربحٍ مقبولة.

واقع المسلسلات الاجتماعيّة شكّل خيبةً كبرى للمنتجين والصنّاع والجمهور على حدّ سواء. سبعة أعمالٍ تتناول الرّاهن السوريّ غابت، أو غُيّبت، عن خطّة العرض الرمضانيّ.

عودة المخرج سامر البرقاوي إلى الدراما السورية لم تُسعف مسلسل “شبابيك” (كتبت نصّه ورشةٌ أدارها الناقد بشّار عبّاس) في فكّ الطّوق الّذي حاصر الأعمال المعاصرة.

المادة الترويجية لمسلسل “ترجمان الأشواق” بشّرت بمُنجزٍ جيّد على مستوى الصورة والدلالات.

العمل التلفزيوني الأوّل للسينمائيّ محمد عبد العزيز لن يرى النّور في شهر الصّوم، حاله في ذلك حال مسلسلات “فوضى” (نص حسن سامي يوسف ونجيب نصير/ إخراج سمير حسين)، “سايكو” (تأليف أمل عرفة بمشاركة زهير قنوع/ إخراج كنان صيدناوي)، “هواجس عابرة” (تأليف مهنّد قطيش بالشراكة مع حسن مصطفى/ إخراج مهند قطيش)، “الغريب” (تأليف عبد المجيد حيدر/ إخراج محمد زهير رجب)، “آخر محل ورد” (تأليف جيهان الجندي / إخراج ماهر صليبي).

#أنا_مع_الدراما_السورية

مؤخّراً، أطلقت الممثلة شكران مرتجى حملةً افتراضية لدعم المسلسلات المحليّة من خلال نشر هاشتاغ #أنامعالدراما_السورية.

نجومٌ وناشطون كثر شاركوا الوسم عبر صفحاتهم على الموقع الأزرق في محاولةٍ لتحويل الأزمة التي تعاني منها المهنة إلى قضيّة رأي عام.

الممثل أيمن زيدان سجّل موقفاً مغايراً من الحملة إيّاها، حيث كتب على صفحته في فيسبوك “لا يمكن أن يكون دعم الدراما السورية مجدياً عبر بوستات حماسية وشعاراتيّة وإنّما عبر وضع مشاكلها على بساط البحث الجدي والكشف عن أسباب انحدارها… فلنوقف التغزل المجاني ولنكن أكثر جرأة في المكاشفة”.

مؤامرةٌ أم انحدارُ صنعة؟

يحيل بعضُ الصنّاع أزمةَ التسويق إلى “مؤامرةٍ” تهدف إلى حذف الدراما السورية عن خارطة العرض في شهر الصّوم.

الناقد والصحفي ماهر منصور يعتبر أنّ لفظة “مؤامرة” فضفاضةٌ للغاية “لا أحد يُنكر تأثير العامل السياسيّ على تصريف المُنتج السوريّ”.

فأغلب الفضائيات الخليجية واللبنانية لا تبدي انفتاحاً على المسلسلات المُنتجة من قبل القطّاع العام أو الشركات الخاصة التي يملكها أشخاصٌ محسوبون على النظام.

و”لكنّ للأزمة مستوياتٍ تتجاوز العامل السياسيّ إلى ما هو داخليٌّ وأكثر خطورة” كما أضاف.

يرى منصور أنّ “دبلجة” الأعمال الأجنبية بأصواتٍ سوريّة قد أثّرت بشكلٍ مباشر على تسويق المُنتَج المحليّ.

فالمسلسل المُدبلج يُباع بسعرٍ منخفضٍ للغاية، الأمر الّذي يجعل الحلقات التركية والإيرانية والهندية مرغوبة، بشكلٍ مضاف، من قبل الفضائيات.

في سياقٍ موازٍ، يُشير منصور إلى أنّ “المضاربة الداخلية” قد تسبّبت، هي الأخرى، في تآكل الصناعة الأكثر رواجاً في دمشق.

“حين كانت الدراما السورية في أوجها” يقول منصور، “ظهرت شركاتٌ تعرضُ المسلسل للبيع بمبلغٍ لا يتجاوز 1500 دولار أميركي للحلقة الواحدة”.

الأمر الّذي تسبّب بخفض سعر المُنتَج تلقائيّاً، و”في المحصّلة” كما يضيف، “استطاع المُنتجون، سابقو الذّكر، أن يحقّقوا تفرّداً وانتشاراً على مستوى السّوق، لكنّهم ساهموا، من حيث يدرون أو لا يدرون، في كساد العمل الدراميّ السوريّ”.

ما قيل قبلاً ليس أقلّ أو أكثر من مؤثّراتٍ جانبيةٍ تطوف في مدار المُشكلة الكبيرة والمتمثّلة بعدم وجود فضائيّات سوريّة خاصة تُصرّف الإنتاج المحليّ.

في مصر مثلاً، تقوم القنوات المحليّة بشراء المسلسلات المصريّة كلّها. هكذا، تتحول التلفزيونات الرّديفة، في السوقين الخليجية واللبنانية، إلى احتمالاتٍ فائضة تؤمّن ربحاً مضافاً لكنّها لا تتحكّم بمصير الصنعة وهوية المُنتَج ومضامين الأعمال.

حلم الإعلام الخاص في سورية

الحديث عن إعلامٍ خاص ومستقلٍّ في سورية يبدو أقربَ إلى الهذيان، فالأمر يحتاجُ إلى قرارٍ سياسيّ يبدو أنْ لا نيّة لاتخاذه على المدى المنظور.

المؤسّسة العربية للإعلان، الّتي تفرض ضرائب مضافةً على المستثمرين الرّاغبين ببثّ إعلاناتهم عبر عموم وسائل الإعلام في سورية، تُشكّل عقبةً تجعل المعلنين يبحثون عن أسواقٍ موازية يروّجون فيها منتجاتهم.

في المحصّلة، يقف الجمود السياسي والإعلانيّ في وجه تحرير الإعلام داخل سورية، الأمر الّذي يجعل المُنتِج الدراميّ مضطرّاً لصناعة مسلسلٍ وفق مقاسات تُحددها الفضائيات الخليجية واللبنانية بصورةٍ رئيسة.

عن الحلول وسبل الخلاص، وبعيداً عن أحلام تحرير الإعلام وصناعة سوقٍ محليّة لشراء المسلسلات السورية، نشر السيناريست والصحفي علي وجيه، عبر صفحته على فيسبوك، تدوينةً قدّم من خلالها خارطة طريقٍ لحلّ مرحليّ يُنقذ الصناعة التي قد يؤدّي توقفها إلى تجويع عائلاتٍ كثيرة في الداخل السوريّ.

اعتبر وجيه أنّه لا بدّ من “إعادة تدوير مخصّصات الدولة للفنّ”، بدايةً من مؤسّسة الإنتاج التلفزيوني والإذاعي الّتي تعاني مُشكلةً معلنةً ببيع مسلسلاتها، وهي تمثّل الواجهة الدراميّة للقطّاع العام.

حيث اقترح كاتب “عناية مشدّدة” أن يُحذف من ميزانية المؤسّسة مبلغٍ 500-700 مليون ليرة سورية، تُضاف إلى مبلغ 650-750 مليون ليرة تُحذف من ميزانية المؤسّسة العامة للسينما، الّتي شكّلت، مؤخّراً، مادةً دسمةً الصحافة والسوشل ميديا بسبب علانية الفساد المُنتشر في كواليسها.

فتصير محصّلة المبلغ، إذا ما أضفنا إليه، حسب وجيه دائماً، ميزانية مديرية الإنتاج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، تقترب من 2 مليار ليرة سورية، وهو مبلغٌ كافٍ لشراء 13 عملاً تقريباً بمبلغ 10 آلاف دولار للحلقة الواحدة وعرضها على القنوات المحليّة في سورية.

عام 2005، تعرّضت الدراما السورية لحصارٍ مماثل.

يومها صدر قرارٌ سياسيّ بشراءِ كلّ الأعمال المُنتجة داخل سورية من قبل القطّاع العام، فنجا الصُّناع من كارثة الكساد.

لا أحد يمنّي نفسه بإجراءٍ مماثلٍ في الوقت الرّاهن، فالدولة منشغلةٌ بحرب السنوات السّبع، والمال العام شبهُ مخصّص للعسكر وأساسيات الغذاء.

فهل يسير العمل المسلسلاتي السوريّ، بخطواتٍ ثابتة، نحو غيابه الأخير؟

رامي كوسا _رصيف 22

اترك تعليقاً